التفتازاني

74

شرح المقاصد

فإن قيل : هذا الجواز مناف للإعجاز ، إذ من شرطه عدم تمكن الغير من الإتيان بالمثل ، بل مفض إلى تكذيب النبي ، حيث يدعي عند التحدي أنه لا يأتي أحد بمثل ما أتيت به . قلنا : المنافي هو الإتيان بالمثل على سبيل المعارضة . ودعوى النبي أنه لا يأتي بمثل ما أتيت به أحد من المتحدين ، لا أنه لا يظهر مثله كرامة لولي ، أو معجزة لنبي آخر . نعم قد يرد في بعض المعجزات نص قاطع على أن أحدا لا يأتي بمثله أصلا كالقرآن ، وهو لا ينافي الحكم بأن كل ما وقع معجزة لنبي يجوز أن يقع كرامة لولي . لنا على الجواز ما مر في المعجزة من إمكان الأمر في نفسه ، وشمول قدرة اللّه تعالى . وذلك كالملك يصدق رسوله ببعض ما ليس من عاداته ، ثم يفعل مثل ذلك إكراما لبعض أوليائه ، وعلى الوقوع وجهان : الأول - ما ثبت بالنص من قصة مريم عند ولادة عيسى ( عليه السلام ) ، وأنه كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال : يا مريم أنى لك هذا ؟ قالت : هو من عند اللّه . وقصة أصحاب الكهف ، ولبثهم في الكهف سنين بلا طعام وشراب . وقصة آصف وإتيانه بعرش بلقيس « 1 » قبل ارتداد الطرف . فإن قيل : كان الأول إرهاصا لنبوة عيسى ، أو معجزة لزكريا ، والثاني لمن كان نبيا في زمن أصحاب الكهف ، والثالث لسليمان صلى اللّه عليه وسلّم ، قلنا : سياق القصص يدل على أن ذلك لم يكن لقصد تصديقهم في دعوى النبوة ، بل لم يكن لزكريا علم بذلك ، ولذا سأل . ونحن لا ندعي إلا جواز ظهور الخوارق من بعض الصالحين ، غير مقرونة بدعوى النبوة ، ولا مسوقة لقصد تصديق نبي ، ولا يضرنا تسميته إرهاصا أو معجزة لنبي هو من أمته ، على أن ما ذكرتم يرد على كثير من معجزات الأنبياء لجواز أن يكون معجزة لنبي آخر . والثاني - ما تواتر معنا وإن كانت التفاصيل آحادا من كرامات الصحابة ،

--> ( 1 ) قال تعالى : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ : هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ . سورة النمل آية رقم 40 .